موقع يهتم بالأخبار الاقتصادية المصرية يصدر من لندن
الأربعاء, 14 أكتوبر 2026 | 5:09 مساءً

اقتصاد الثقة.. ما الذي سيبقى للشركات عندما يصبح المحتوى متاحًا للجميع؟

بقلم : رنا كُرْيَم

 

لسنوات، كانت الشركات تتنافس على شيء واحد: أن يراها الناس.

إعلانات أكثر، محتوى أكثر، وصول أكبر، ومتابعون أكثر. وكان الاعتقاد السائد أن العلامة التجارية التي تنجح في جذب الانتباه هي الأقرب إلى تحقيق المبيعات.

لكن المشهد يتغير.

اليوم، يمكن لأي شركة أن تنتج عشرات المنشورات والإعلانات ورسائل البيع في وقت قصير جدًا باستخدام الذكاء الاصطناعي. لم يعد إنتاج المحتوى يتطلب الوقت والجهد نفسيهما، ولم تعد القدرة على الكتابة أو التصميم وحدها كافية لصناعة فارق حقيقي.

وهنا أرى أن السؤال الأهم لم يعد: كيف نجذب انتباه العميل؟

بل: بعد أن نجذب انتباهه، لماذا سيختارنا نحن؟

هذا السؤال يعيدنا إلى عنصر أساسي في التسويق، لكنه يستحق اليوم اهتمامًا أكبر من أي وقت مضى: الثقة.

المشكلة ليست في كثرة المحتوى، بل في قيمته

عندما يصبح بإمكان الجميع إنتاج المحتوى بسهولة، يصبح من الصعب على أي شركة أن تتميز لمجرد أنها تنشر باستمرار.

قد يرى العميل عشرات الإعلانات في يوم واحد، ويقرأ نصوصًا تبدو جميعها مقنعة، ويشاهد صورًا احترافية لمنتجات وخدمات مختلفة. لكن هذا لا يعني أنه سيمنح كل هذه العلامات التجارية ثقته.

فالظهور شيء، والاقتناع شيء آخر.

قد تنجح في جذب العميل إلى موقعك الإلكتروني، لكن هل سيجد ما يدفعه إلى التعامل معك؟ هل سيشعر بأنك تفهم احتياجاته؟ وهل سيجد فرقًا حقيقيًا بين ما تعده به وما تقدمه بالفعل؟

من وجهة نظري، هنا تبدأ المشكلة التي ينبغي للشركات أن تنتبه إليها.

لم يعد إنتاج المحتوى هو التحدي الأكبر. التحدي هو أن يكون لهذا المحتوى معنى، وأن يعكس قيمة حقيقية، وأن يجد العميل ما يؤكد له أن ما تقوله الشركة ليس مجرد كلام تسويقي جيد.

الذكاء الاصطناعي لا يعفي الشركات من مسؤوليتها

لا أرى أن الحل هو الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي أو التعامل معه باعتباره تهديدًا للتسويق. فهو أداة يمكن أن تساعد الشركات على العمل بكفاءة أكبر، وفهم جمهورها، وتحسين طريقة التواصل معه.

لكن استخدامه لا يحل محل مسؤولية الشركة عن تجربتها مع العملاء.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب ردًا مهذبًا على شكوى، لكن هذا الرد لن يكون له معنى إذا استمرت المشكلة دون حل.

ويمكنه أن يصوغ وعدًا تسويقيًا جذابًا، لكن العميل لن يحكم على الشركة من خلال الوعد وحده، بل من خلال ما يحدث عندما يتعامل معها بالفعل.

المشكلة إذن ليست في أن التكنولوجيا تستطيع إنتاج كلام مقنع، وإنما في أن الكلام المقنع أصبح أسهل إنتاجًا من التجربة الجيدة التي يفترض أن يعكسها.

وهذا فارق مهم.

فالشركة لا تبني سمعتها لأنها تعرف كيف تتحدث عن نفسها، بل لأنها تقدم أسبابًا تجعل الآخرين يتحدثون عنها بصورة إيجابية.

تجربة العميل هي الاختبار الحقيقي للثقة

في عملي في مجال التسويق وتجربة العملاء، أجد أن من المهم ألا ننظر إلى رحلة العميل باعتبارها مجموعة من نقاط التواصل المنفصلة.

الإعلان ليس تجربة العميل كاملة، والبيع ليس نهاية العلاقة، وخدمة العملاء ليست مجرد قسم يتدخل عندما تظهر مشكلة.

كل ما يمر به العميل يشارك في تكوين انطباعه عن الشركة.

من أول مرة يسمع فيها عن العلامة التجارية، إلى الطريقة التي يحصل بها على المعلومات، وسهولة اتخاذ القرار، وجودة الخدمة، وحتى ما يحدث بعد إتمام عملية الشراء.

والأهم أن الثقة تظهر بوضوح عندما تواجه الشركة موقفًا صعبًا.

عندما يحدث خطأ، هل تعترف به؟ عندما لا تستطيع الوفاء بوعدها، هل توضح الأسباب؟ وعندما يحتاج العميل إلى المساعدة، هل يجد من يتحمل المسؤولية أم يجد نفسه ينتقل بين الردود والإجراءات دون حل؟

هذه المواقف لا يمكن تعويضها بسهولة بإعلان جديد أو حملة ناجحة.

قد ينسى العميل تفاصيل كثيرة عن تجربته، لكنه غالبًا ما يتذكر كيف عومل، وما إذا كانت الشركة جديرة بالاعتماد عليها.

لهذا، لا أعتقد أن الثقة تُبنى من خلال حملة تسويقية واحدة. إنها نتيجة تتراكم مع الوقت، من خلال الوعود التي تلتزم بها الشركة، والمشكلات التي تحلها، والطريقة التي تتعامل بها مع الناس.

لماذا قد تزداد قيمة الإنسان؟

هناك جانب آخر من الموضوع لا يقل أهمية، وهو تأثير الذكاء الاصطناعي على قيمة المهارات البشرية.

نتحدث كثيرًا عن الوقت الذي ستوفره التكنولوجيا، والمهام التي ستنجزها، والعمليات التي ستصبح أكثر كفاءة. لكننا نحتاج أيضًا إلى التفكير في المهارات التي ستصبح أكثر أهمية عندما تتولى التكنولوجيا جزءًا أكبر من الأعمال المتكررة.

المعلومات أصبحت متاحة بصورة أسهل، لكن فهمها واتخاذ القرار المناسب بناءً عليها يظلان أمرين مختلفين.

فالمؤسسات لا تحتاج فقط إلى من يستطيع الوصول إلى البيانات، بل إلى من يفهم سياقها، ويوازن بين الخيارات، ويتحمل مسؤولية القرار.

وتحتاج إلى أشخاص يستطيعون الاستماع إلى العميل وفهم ما يقصده فعلًا، والتفاوض في المواقف المعقدة، والتعامل مع الاختلاف، وبناء علاقات مهنية تستند إلى المصداقية.

هذه القدرات ليست بديلًا عن التكنولوجيا، بل هي ما يساعد المؤسسات على استخدامها بصورة أفضل.

وكلما أصبحت الأدوات متاحة للجميع، ازدادت أهمية الطريقة التي يفكر بها الناس، والقرارات التي يتخذونها، والقيمة التي يضيفونها إلى ما تنتجه هذه الأدوات.

هل أصبحت سهولة الخدمة كافية؟

لسنوات، ركزت الشركات على جعل التعامل معها أسهل وأسرع. وهذا أمر مهم، لكنه لا يجيب عن كل ما يحتاج إليه العميل.

فالعميل لا يريد أن يحصل على إجابة سريعة فحسب؛ بل يريد أن يعرف إن كانت الإجابة صحيحة.

ولا يريد توصية مخصصة له لمجرد أنها تحمل اسمه أو تتوافق مع بياناته؛ بل يريد أن يشعر بأنها مناسبة فعلًا لاحتياجاته.

وإذا استخدمت الشركة الذكاء الاصطناعي في تقديم خدماتها، فمن حق العميل أن يتوقع أن تظل هناك مسؤولية واضحة عن جودة الخدمة ودقة المعلومات.

لهذا، أعتقد أن المرحلة المقبلة من تجربة العملاء ستتطلب الجمع بين الكفاءة والاطمئنان.

ليس المطلوب أن تختار الشركات بين التكنولوجيا والإنسان، بل أن تستفيد من التكنولوجيا دون أن تجعل العميل يدفع ثمن أخطائها أو قصورها.

من جذب الانتباه إلى استحقاق الثقة

لا يعني ذلك أن الوصول والتفاعل لم يعودا مهمين، أو أن الشركات يجب أن تتوقف عن الاستثمار في المحتوى والتسويق الرقمي.

لكن من الضروري أن نعرف ما الذي تقيسه هذه المؤشرات، وما الذي لا تقيسه.

عدد المشاهدات يخبرنا أن المحتوى وصل إلى الناس، لكنه لا يخبرنا وحده إن كانوا قد اقتنعوا به.

وعدد المتابعين قد يعكس حجم الجمهور، لكنه لا يكشف بالضرورة عن قوة العلاقة بينه وبين العلامة التجارية.

أما المبيعات، فرغم أهميتها، فلا تكفي وحدها لفهم ما إذا كانت الشركة تبني علاقة يمكن أن تستمر على المدى الطويل.

لهذا، تحتاج الشركات إلى النظر إلى ما وراء الأرقام، وفهم الأسباب التي تجعل العملاء يختارونها، ويستمرون في التعامل معها، ويوصون الآخرين بها.

قد يكون من السهل جذب الانتباه اليوم، لكن الاحتفاظ بثقة العميل يتطلب عملًا مستمرًا، واتساقًا بين الكلام والفعل، واستعدادًا لتحمل المسؤولية.

في النهاية أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيغير طريقة عمل التسويق، لكنه لن يلغي حاجة الشركات إلى فهم الناس أو بناء علاقات حقيقية معهم.

 

بل ربما يجعل هذه الحاجة أكثر وضوحًا، فعندما يصبح إنتاج المحتوى أسهل، لن يكون مجرد إنتاج المزيد منه كافيًا للتميز. وعندما تصبح المعلومات متاحة للجميع، ستزداد أهمية القدرة على تفسيرها واستخدامها بصورة صحيحة.

الشركات التي ستنجح ليست بالضرورة تلك التي تنشر أكثر أو تستخدم أدوات أكثر تطورًا، بل تلك التي تعرف كيف تحول ما تقوله إلى تجربة يلمسها العميل بنفسه.

في النهاية، العميل لا يتعامل مع منشور أو إعلان فقط. إنه يتعامل مع شركة، ويحكم عليها من خلال ما تقدمه له، وكيف تتصرف عندما تواجه مشكلة، ومدى التزامها بما وعدت به.

قد يساعدك الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى جمهورك، لكنه لا يستطيع أن يقرر نيابة عنك ما إذا كنت تستحق ثقته.

وهنا تحديدًا أرى أن المنافسة الحقيقية في السنوات المقبلة لن تكون على من يستطيع إنتاج المحتوى الأكثر، بل على من يستطيع تقديم قيمة حقيقية تجعل العميل يختاره، حتى عندما تكون أمامه عشرات البدائل.

 

لأن جذب الانتباه قد يكون بداية العلاقة، لكن الثقة هي التي تمنحها فرصة للاستمرار.

قد يعجبك أيضًا
اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.