اللي ماشي في الشارع مش محتاج محلل نفسي عشان يلاحظ إن الناس بقت على أعصابها طول الوقت. خناقات في المواصلات، شتائم على أقل سبب، صوت عالي بدل الحوار، وانفعال سابق لأي فهم. كأننا عايشين في حالة طوارئ نفسية مستمرة.
العصبية دي ما جتش فجأة، ولا هي عيب فردي بقدر ما هي عرض لمرض اجتماعي أكبر. ضغط اقتصادي خانق، قلق مستمر على بكرة، شعور عام بعدم الأمان، وإحساس إن كل واحد بيجري لوحده في سباق ملوش خط نهاية. لما الإنسان يفضل محاصر بالخوف والتوتر، الطبيعي إن أعصابه تضعف، وأخلاقه تتآكل من غير ما يحس.
الإعلام ومواقع التواصل زوّدوا الطين بلة. أخبار سيئة طول الوقت، لغة عنيفة، سخرية جارحة، ونماذج بتكافئ الصوت العالي لا العقل الهادئ. بقينا نشوف الخناق بطولة، وقلة الذوق جرأة، وقلة الاحترام “شخصية قوية”. ومع التكرار، العنف اللفظي بقى عادي، والتعدي بقى مبرر، والاعتذار بقى ضعف.
الأخطر إن أبسط الأصول الإنسانية بدأت تختفي: الاستئذان، الشكر، الاعتذار، احترام الكبير، والرفق بالضعيف. مش لأن الناس نسيت التربية، لكن لأن الضغط المستمر خلّى الكل في وضع دفاعي. كل واحد شايف نفسه مظلوم، فمستعد يظلم غيره من غير ما يشعر بالذنب.
الحقيقة إن العصبية مش حل، والخناق مش وسيلة نجاة. المجتمع اللي صوته أعلى من عقله، بيتآكل من الداخل. واللي يخسر في الآخر مش الشخص اللي اتخانق، لكن النسيج الإنساني كله.
مش محتاجين خطب أخلاقية، ولا شعارات مثالية. محتاجين اعتراف إننا متعبين. محتاجين رحمة متبادلة، ومساحة نفس، وإعادة اعتبار لفكرة إن “الهدوء قوة”، وإن الاحترام مش ضعف. نحتاج إعلام أهدى، وتعليم بيربي على الحوار، وقيادات اجتماعية بتضرب مثال في الاتزان مش في الصراخ.
يمكن ما نقدرش نغير الدنيا كلها، لكن نقدر نبدأ بنفسنا: كلمة أهدى، رد أقل حدة، شوية صبر، وشوية إنسانية. لأن المجتمع ما بينهارش فجأة… هو بيتكسر بالتدريج، كل مرة ننسى فيها أبسط الأصول.